فصل: 976- باب ما جاءَ في الخائنِ والمُخْتَلِسِ والمُنتَهِب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


الجزء الخامس

974- باب ما جاءَ في كَمْ تُقْطَعُ يد السّارِق

1446- حدثنا عَلِيّ بْنُ حُجْرٍ، حدثنا سفيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزّهْرِيّ، أَخْبَرَتْهُ عَمْرَةُ عن عائشةَ‏:‏ ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقْطَعُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى حديثُ عائشةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ وجهٍ عن عَمْرَةَ عن عائشةَ مرفوعاً، ورواه بعضُهم عن عَمرَة عن عائشةَ موقوفاً‏.‏

1447- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عمرَ قال‏:‏ ‏"‏قَطَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مِجَنّ قِيمَتُهُ ثلاثةُ دراهمَ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن سعدٍ و عبدِ الله بن عَمْرٍو، و ابنِ عباسٍ و أبي هريرةَ و أَيْمَنَ‏.‏

قال أبو عيسى حديثُ ابنِ عمرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، منهم أبو بكرٍ الصّديقُ قَطَعَ في خمسةِ دراهمَ‏.‏ ورُوِيَ عن عثمانَ وعليّ أنهما قَطَعَا في رُبْعِ دِينَارٍ‏.‏ ورُوِي عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ أنهما قالا‏:‏ تُقْطَعُ اليدُ في خمسةِ دراهمَ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ بعضِ فُقَهَاءِ التّابِعِينَ‏.‏ وهو قولُ مالكِ بنِ أنسٍ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏:‏ رأَوْا القَطْعَ في رُبْعِ دينارٍ فصاعِداً‏.‏

وقد رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ أنه قال‏:‏ لا قَطْعَ إلا في دينارٍ أو عشرةِ دراهمَ‏.‏ وهو حديثٌ مُرْسَلٌ رَوَاهُ القاسمُ بنُ عبدِ الرحمَنِ عن ابنِ مسعودٍ‏.‏ والقاسمُ لم يَسْمَعْ من ابنِ مسعودٍ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ‏.‏ وهو قولُ سفيانَ الثّوْرِيّ وأهلِ الْكُوفَةِ قالوا‏:‏ لا قَطْعَ في أقلّ من عشرةِ دراهمَ وروى عن عليّ أنه قال‏:‏ لا قطع في أقل من عشرة دارهم وليس اسناده بمتصل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يقطع‏)‏ أي يد السارق والسارقة، كان يأمر بالقطع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يباشر القطع بنفسه ‏(‏في ربع دينار فصاعداً‏)‏ قال صاحب المحكم‏:‏ يختص هذا بالفاء ويجوز ثم بدلها ولا تجوز الواو‏.‏ وقال ابن جني‏:‏ هو منصوب على الحال أي ولو زاد‏.‏ ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعدا‏.‏ وقد وقع في رواية عند مسلم‏:‏ فما فوقه بدل فصاعدا وهو بمعناه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عائشة حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة ‏(‏وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمرة عن عائشة موقوفاً‏)‏ أخرجه الطحاوي من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة موقوفا، وأخرجه مسلم عن طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعا‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وحاول الطحاوي تعليل رواية أبي بكر المرفوعة برواية ولده الموقوفة‏.‏ وأبو بكر أتقن وأعلم من ولده، على أن الموقوف في مثل هذا لا يخالف المرفوع‏.‏ لأن الموقوف محمول على الفتوى‏.‏ والعجب أن الطحاوي ضعف عبد الله بن أبي بكر في وضع آخر ورام هنا تضعيف الرواية القوية بروايته انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجن‏)‏ بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون هو النرس لأنه يوارى حامله قيمته ثلاثة دراهم‏.‏ هذه الرواية لا تخالف رواية ربع دينار المتقدمة، لأن ربع الدينار كان يومئذ ثلاثة دراهم، ففي رواية عائشة عند أحمد قال‏:‏ إقطعوا في ربع دينار‏.‏ ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهما‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم، وذلك أن الصرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر درهما بدينار‏.‏ وكان كذلك بعده‏.‏ وقد ثبت أن عمر فرض الدية على أهل الورق اثني عشر ألف درهم وعلى أهل الذهب ألف دينار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة وأيمن‏)‏ أما حديث أبي سعد فأخرجه الطحاوي‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود والنسائي‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطحاوي‏.‏ وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأخرجه الشيخان‏.‏ وأما حديث أيمن فأخرجه الطحاوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏منهم أبو بكر الصديق قطع في خمسة دراهم‏)‏ وأخرج ابن المنذر عن عمر أنه قال‏:‏ لا تقطع الخمس إلا في خمس ‏(‏وروي عن عثمان وعلي أنهما قطعا في ربع دينار‏)‏ أخرج ابن المنذر أنه أتى عثمان بسارق سرق أترجة فقومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع‏.‏ وأخرج أيضا والبيهقي من طريق جعفر عن أبيه أمير المؤمنين علياً رضي الله تعالى عنه قطع في ربع دينار وكانت قيمته درهمين ونصفا‏.‏ وأخرج البيهقي أيضا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه‏:‏ القطع في ربع دينار فصاعدا‏.‏ وأخرج أيضا من طريقه عن أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه‏:‏ أنه قطع يد السارق في بيضة من حديد ثمنها ربع دينار ورجاله ثفات ولكنه منقطع‏.‏

‏(‏وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما قالا‏:‏ تقطع اليد في خمسة دراهم‏)‏ وروى عنهما القطع في أربعة دراهم‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ المذهب الخامس أربعة دراهم نقله ابن المنذر عن وأبي هريرة سعيد وكذلك حكاه عنهما في البحر انتهى ‏(‏والعمل على هذا عند بعض فقهاء التابعين‏)‏ وهو قول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق ‏(‏رأوا القطع في ربع دينار فصاعداً‏)‏ قد ذهب إلى ما تقتضيه أحاديث الباب من ثبوت القطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار، الجمهور من السلف والخلف ومنهم الخلفاء الأربعة‏.‏ واختلفوا في ما يقوم به ما كان من غير الذهب والفضة، فذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يكون التقويم بالدراهم لا بربع الدينار إذا كان الصرف مختلفاً‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها حتى قال إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع انتهى‏.‏ قال مالك وكل واحد من الذهب والفضة معتبر في نفسه، لا يقوم بالاَخر‏.‏ وذكر بعض البغداديين أنه ينظر في تقويم العروض بما كان غالبا في نقود أهل البلد ‏(‏وقد روى عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ لا قطع إلا في دينار أو عشر دراهم وهو حديث مرسل رواه القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود‏.‏ والقاسم لم يسمع من ابن مسعود‏)‏ أخرج قول ابن مسعود هذا الطحاوي في شرح الآثار قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدثنا عثمان بن عمر عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن أن عبد الله بن مسعود فذكره‏.‏

‏(‏والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة قالوا لا قطع في أقل من عشرة دراهم‏)‏ وهو قول أبي حنيفة واصحابه وسائر فقهاء العراق واحتجوا بقول ابن مسعود المذكور، وقد عرفت أنه منقطع‏.‏ واحتجوا أيضا بما أخرجه البيهقي والطحاوي من حديث محمد بن اسحاق عن أيوب ابن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال‏:‏ كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم عشرة دراهم، وأخرج نحو ذلك النسائي عنه، وأخرج عن أبو داود أن ثمنه كان ديناراً أو عشرة دراهم‏.‏ وأخرج البيهقي عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم، وأخرج النسائي عن عطاء مرسلا أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن قال وثمنه عشرة دراهم قالوا‏:‏ هذه الروايات في تقدير ثمن المجن أرجح من الروايات الأولى وإن كانت أكثر وأصح ولكن هذه أحوط والحدود تدفع بالشبهات فهذه الروايات كأنها شبهة في العمل بما دونها‏.‏ وروى نحو هذا عن ابن العربي، قال وإليه ذهب سفيان مع جلالته‏.‏

ويجاب بأن الروايات المروية عن ابن عباس وابن عمرو بن العاص في إسنادها جميعا محمد بن إسحاق وقد عنعن ولا يحتج بمثله إذا جاء بالحديث معنعنا فلا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين عن ابن عمر وعائشة‏.‏ وقد تعسف الطحاوي فزعم أن حديث عائشة مضطرب ثم بين الإِضطراب بما يفيد بطلان قوله، وقد استوفى صاحب الفتح الرد عليه كذا في النيل‏.‏

قلت الأمر كما قال الشوكاني قد أجاب الحافظ عما أورد الطحاوي على حديث عائشة المذكور جوابا حسنا شافيا وقد أجاب أيضا عن الروايات التي تدل على أن ثمن المجن كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا أو عشرة دراهم وأجاد فيه وأصاب ثم مقال الحافظ‏:‏ ولو ثبتت لم تكن مخالفة لرواية الزهري بل بجمع بينهما بأنه كان أولا لا قطع فيما دون العشرة ثم شرع القطع في الثلاثة فما فوقها، فزيد في تغليظ الحد كما زيد في تغليظ حد الخمر‏.‏ وأما سائر الروايات فليس فيها إلا إخبار عن فعل وقع في عهده صلى الله عليه وسلم وليس فيه تحديد النصاب، فلا ينافي رواية ابن عمر يعني المذكور في هذا الباب أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم‏.‏ وهو مع كونه حكاية فعل فلا يخالف حديث عائشة من رواية الزهري‏.‏ فإن ربع دينار صرف ثلاثة دراهم‏.‏

975- باب ما جاءَ في تَعْلِيقِ يَدِ السّارِق

1448- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عمرُ بنُ علي المُقَدّمِيّ، حدثنا الحجاجُ عن مكحولٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ مُحَيْرِيزٍ قال‏:‏ سألْتُ فَضَالَةَ بنَ عُبَيْدٍ عن تعليقِ الْيَدِ في عُنُقِ السّارِقِ، أَمِنَ السّنّةِ هو‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أُتِيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمّ أُمِرَ بها فَعُلّقَتْ في عُنُقهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلا من حديثِ عمرَ بنِ عليّ المُقَدّمِيّ عن الحجاجِ بنِ أرْطَأَةَ، وعبدُ الرحمَنِ بنُ مُحَيْرِيزٍ هو أخو عبدِ الله بنِ مُحَيْرِيزٍ شاميّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الحجاج‏)‏ هو ابن أرطأة ‏(‏سمعت فضالة‏)‏ بفتح الفاء ‏(‏بن عبيد‏)‏ بالتصغير ‏(‏أتى‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏فعلقت‏)‏ بتشديد اللام مجهولاً ‏(‏في عنقه‏)‏ أي ليكون عبرة ونكالا‏.‏ قال ابن الهمام المنقول عن الشافعي وأحمد أنه يسن تعليق يده في عنقه لأنه عليه الصلاة والسلام أمر به وعندنا ذلك مطلق للإمام إن رآه ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام في كل قطعه ليكون سنة انتهى، وقال في النيل‏:‏ في هذا الحديث دليل على مشروعية تعليق يد السارق في عنقه لأن في ذلك من الزجر مالا مزيد عليه، فإن السارق ينظر إليها مقطوعة معلقة فيتذكر السبب لذلك وما جرّ إليه ذلك الأمر من الخسارة بمفارقة ذلك العضو النفيس، وكذلك الغير يحصل له بمشاهدة اليد على تلك الصورة ما تنقطع به وساوسه الرديئة‏.‏ وأخرج البيهقي أن عليا رضي الله عنه قطع سارقا فمروا به ويده معلقة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ قال في المنتقى أخرجه الخمسة إلا أحمد وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف انتهى‏.‏ ‏(‏لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي المقدمي عن الحجاج بن أرطأة‏)‏ قال الحافظ في التخليص‏:‏ وهما مدلسان‏.‏ وقال النسائي‏:‏ الحجاج بن أرطأة ضعيف ولا يحتج بخبره‏.‏ قال هذا بعد أن أخرجه بطريقة انتهى‏.‏

976- باب ما جاءَ في الخائنِ والمُخْتَلِسِ والمُنتَهِب

1449- حدثنا عَلِيّ بنُ خَشْرَمٍ، حدثنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن أبي الزّبَيْرِ عن جابرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ليس على خائنٍ ولا مُنْتَهِبٍ ولا مُخْتَلِسٍ قطع‏"‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عند أهلِ الْعِلْمِ‏.‏ وقد رَوَاه مُغِيرَةُ بنُ مُسْلِمٍ أخو عبدالعزيز القسمليّ كذا قال، قال علي بن المديني‏:‏ بصريّ عن أبي الزّبَيْرِ عن جابرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَ حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ‏.‏

الخائن مو من يأخذ المال خفية ويظهر النصح للمالك‏.‏ والمختلس الذي يسلب المال على طريقة الخلسة‏.‏ وقال في النهاية‏:‏ هو من يأخذه سلبا ومكابرة‏.‏ والمنتهب هو من ينتهب المال على جهة القهر والغلبة‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ليس على خائن‏)‏ قال ابن الهمام‏:‏ اسم فاعل من الخيانة، وهو أن يؤتمن على شيء بطريق العارية والوديعة فيأخذه ويدعي ضياعه، أو ينكر أنه كان عنده وديعة أو عارية‏.‏ وعلله صاحب الهداية بقصور الحرز لأنه قد كان في يد الخائن وحرزه لا حرز المالك على الخلوص، وذلك لأن حرزه وإن كان حرز المالك إنه أحرزه بإيداعه عنده لكنه حرز مأذون للسارق في دخوله ‏(‏ولا منتهب‏)‏ لأنه مجاهر بفعله لا مختف فلا سرقة ولا قطع ‏(‏ولا مختلس‏)‏ لأنه المختطف للشيء من البيت ويذهب أو من يد المالك‏.‏ في المغرب‏:‏ الاختلاس أخذ الشيء من ظاهر بسرعة ‏(‏قطع‏)‏ اسم ليس‏.‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قال القاضي عياض‏:‏ شرع الله تعالى إيجاب القطع على السارق ولم يجعل ذلك في غيرها كالإختلاس والإنتهاب والغصب، لأن ذلك قليل بانسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستغاثة إلى ولاة الأمور وتسهيل إقامة البينه عليه بخلافها، فيعظم أمرها، واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الخمسة كذا في المنتقى، وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وابن حبان وصححه‏.‏ وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند ابن ماجة بنحو حديث الباب‏.‏ وعن إنس عند ابن ماجة أيضا والطبراني في الأوسط‏.‏ وعن ابن عباس عند ابن الجوزي في العلل وضعفه‏.‏ وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، ولا سيما بعد تصحيح الترمذي وابن حبان لحديث الباب قاله الشوكاني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أهل العلم‏)‏ كذا قال الترمذي ولم يذكر اختلاف الأئمة في هذه المسألة‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ قد ذهب إلى أنه لا يقطع المختلس والمنتهب والخائن العترة والشافعية والحنفية، وذهب أحمد وإسحاق وزفر والخوارج إلى أنه يقطع، وذلك لعدم اعتبارهم الحرز انتهى‏.‏

قلت‏:‏ والراجح هو قول الشافعية والحنيفة‏.‏ لأحاديث الباب وهي بمجموعها صالحة للاحتجاج‏.‏

977- باب ما جاءَ لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَر

1450- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا الليثُ عن يَحيى بنِ سعيدٍ عن محمدِ بنِ يَحيى بنِ حِبّانَ عن عمّهِ واسِع بنِ حبّانَ، أنّ رافعَ بنَ خَدِيجٍ قال‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هكذا رَوَى بعضُهم عن يَحْيى بنِ سعيدٍ عن محمدٍ بنِ يَحيى بنِ حبّانَ عن عمّه وَاسِعِ بنِ حبّانَ عن رافِعٍ بن خديج عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَ روايةِ الليثِ بنِ سعدٍ‏.‏

ورَوَى مالكُ بنُ أنَسٍ وغيرُ واحدٍ هذا الحديثَ عن يَحيى بنِ سعيدٍ عن محمد بنِ يَحْيَى بنِ حبّانَ عن رافعِ بنِ خَديجٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يذكرُوا فيه عن واسعِ بنِ حبّانَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يقطع في ثمر ولا كثر‏)‏ يفتح الكاف والثاء المثلثة وهو الجمار، قال في القاموس‏:‏ والكثر ويحرك جمار النخل، أو طلعها، وقال الجمار كرمان شحم النخل، وقال في المجمع‏:‏ الكثر بفتحتين جمار النخل، وهو شحمه الذي في وسط النخلة، وهو شيء أبيض وسط النخل يؤكل الكثر الطلع أول ما يؤكل انتهى‏.‏

قلت‏:‏ المراد بالكثر هو الجمار كما وقع في رواية النسائي قال في شرح السنة‏:‏ ذهب أبو حنيفة إلى ظاهر هذا الحديث فلم يوجب القطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة سواء كانت محرزة أو غير محرزة، وقاس عليه اللحوم والْالبان والأشربة والخبوز، وأوجب الاَخرون القطع في جميعها إذا كان محرزا، وهو قول مالك والشافعي، وتأول الشافعي الحديث على الثمار المعلقة غير المحرزة‏.‏ وقال نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها، والدليل عليه حديث عمر وبن شعيب، وفيه دليل على أن ما كان منها محرزا يجب القطع بسرقته انتهى‏.‏

قلت‏:‏ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه النسائي وأبو داود عنه قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق فقال‏:‏ من أصاب منه يفيه من ذي حاجة غير متخذ خبثه فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرن فبلغ ثمن المجن فعليه القطع‏.‏ وأخرجه أيضا الحاكم وصححه وأخرجه أيضاً الترمذي مختصراً في باب الرخصة في أكل الثمرة للمار بها وحسّنه‏.‏ وحديث رافع بن خديج المذكور في الباب أخرجه الخمسة وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي وصححه البيهقي وابن حبان، واختلف في وصله وإرساله‏.‏ وقال الطحاوي‏:‏ هذا الحديث تلفت العلماء متنه بالقبول‏.‏

978- باب ما جاءَ أنْ لا تُقطع الأيْدِي في الْغَزْو

1451- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن عيّاشِ بنِ عياشٍ البصري عن شيَيْمٍ بنِ بَيْتَانَ عن جُنَادَةَ بنِ أبي أُمَيّةَ عن بُسْرِ بنِ أرْطَأَةَ قال‏:‏ سَمِعْتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏لا تُقطَعُ الأيْدِي في الْغَزْوِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ غريبٌ، وقد رواه غيرُ ابنِ لَهِيعَةَ بهذا الإسناد نحوَ هذا‏.‏ وقال بُسْرُ بنُ أبي أرطأَةَ أيضاً‏.‏ والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ منهم الأوزاعيّ لا يَرَوْنَ أن يُقَامَ الْحَدّ في الْغَزْوِ بحضرةِ الْعَدُوّ مَخافَةَ أن يَلْحَقَ من يُقَامُ عليه الحدّ بالعدوّ، فإذا خرجَ الإمامُ من أرضِ الحربِ ورجعَ إلى دارِ الإسلامِ أقامَ الحدّ عَلَى مَنْ أصابَهُ‏.‏ كذلك قال الأوزاعيّ‏.‏

قوله وعن عياش بن عباس الأول بفتح العين المهملة والياء التحتية المشددة والثاني بالموحدة المشددة وبالسين المهملة قال الحافظ ثقة ‏(‏عن شييم‏)‏ بكسر أوله وفتح التحتانية وسكون مثلها بعدها ‏(‏بن بيتان‏)‏ بلفظ تثنية بيت القتباني المصري ثقة من الثالثة قاله الحافظ‏.‏ وفي المغنى شييم بكسر معجمه ويقال بضمها وفتح تحتية أولى وسكون ثانية ‏(‏عن جنادة‏)‏ بضم الجيم وفتح النون الخفيفة ‏(‏بن أبي أمية‏)‏ بضم الهمزة مصغراً الأزدى الشامى ومن ثقات التابعين ‏(‏عن بسر‏)‏ بضم الموحدة وسكون السين المهملة ‏(‏أرطأة‏)‏ بفتح الهمزة وسكون الراء ويقال ابن أبي أرطأة من صغار الصحابة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يقطع الأيدي في الغزو‏)‏ روى أحمد وأبو داود والنسائي عن بسر بن أرطأة أنه وجد رجلا يسرق في الغزو فجلده ولم يقطع يده، وقال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلمعن القطع في الغزو‏.‏ قال صاحب المنتقى وللترمذي منه المرفوع انتهى‏.‏

وفي الباب عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا الحدود في الحضر والسفر‏.‏ رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وسيأتي الجمع بين هذين الحديثين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وغيره كما عرفت آنفاً ‏(‏وقد رواه غير ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا‏)‏ رواه أبو داود في سنته قال‏:‏ حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا ابن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن عياش بن عباس بإسناد الترمذي‏.‏

قال الشوكاني رجال إسناد أبي داود ثقات الى بسر، قال‏:‏ وفي إسناد النسائي بقية ابن الوليد قال المنذري‏:‏ واختلف في صحبة بسر بن أرطأة فقيل له صحبة وقيل لا وأن مولده قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنين وله أخبار مشهورة، وكان يحيى لا يحسن أثناء عليه، وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له، وغمزه الدارقطني انتهى كلام المنذري‏.‏ ونقل في الخلاصة عن ابن معين أنه قال‏:‏ لا صحبة له وأنه رجل سوء ولي اليمن وله بها آثار قبيحة انتهى‏.‏ ‏(‏وقال‏)‏ وفي بعض النسخ يقال وهو الظاهر ‏(‏بسر بن أبي أوطأة‏)‏ أي بزيادة لفظ أبي بين يسر وأرطأة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كذلك قال الأوزاعي‏)‏ قال العزيزي في شرح الجامع الصغير والجمهور- على خلاف ما قال به الأوزاعي انتهى‏.‏ وقال التوربشتي‏:‏ ولعل الأوزاعي رأى فيه احتمال افتتان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب أو رأى أنه أذا قطعت يده الأمير متوجه إلى الغزو ولم يتمكن من الدفع ولا يغني عنا فيترك إلى أن يقفل الجيش‏.‏ قال القاضي‏:‏ ولعله عليه الصلاة والسلام أراد به المنع من القطع فما يؤخذ من المغانم انتهى‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ ولا معارضة بين الحديثين يعني حديث بسر بن أرطأة وحديث عبادة بن الصامت المذكورين لأن حديث بسر أخص مطلقاً من حديث عبادة فيبني العام على الخاص، وبيانه أن السفر المذكور في حديث عبادة أعم مطلقاً من الغزو المذكور في حديث بسر، لأن المسافر قد يكون غازياً وقد لا يكون‏.‏ وأيضاً حديث يسر في حد السرقة وحديث عبادة في عموم الحد انتهى‏.‏

979- باب ما جاءَ في الرّجُلِ يَقَعُ على جارِيَةِ امْرَأَتِه

1452- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ، حدثنا هُشَيْمٌ عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ و أيوبَ بنِ مِسْكِينٍ عن قَتَادَةَ عن حبيبِ بنِ سالمٍ قال‏:‏ رُفِعَ إلى النّعمانِ بنِ بَشِيرٍ رجلٌ وَقَعَ عَلَى جارِيَةِ امْرَأَتِهِ فقال‏:‏ لأَقْضِيَنّ فيها بقضاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، لئن كانت أَحَلّتْهَا لَهُ لأَجْلِدَنّهُ مِائَة، وإنْ لم تَكُنْ أَحَلّتْهَا لَهُ رَجَمْتُهُ‏.‏

1453- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ، حدثنا هُشَيْمٌ عن أبي بِشْرٍ عن حبيبِ بن سالم عن النّعمان بن بَشِيرٍ نحوَهُ ويروى عن قتادة أنه قال كتب به الى حبيب بن سالم وأبو بشار لم يسمع من حبيب بن سالم هذا أيضاً انما رواه عن خالد بن عرفطة‏.‏

قال وفي البابِ عن سَلَمَةَ بنِ المُحَبّقِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ النعمانِ في إسنادِهِ اضطرابٌ، قال سَمِعْتُ محمداً يقولُ‏:‏ لم يَسْمَعْ قتادةُ من حبيبِ بنِ سالمٍ هذا الحديثَ، إنما رواهُ عن خالدِ بنِ عُرْفُطَةَ‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ وقد اختلف أهلُ العلمِ في الرّجُلِ يَقَعُ على جاريةِ امرأتِهِ فَرُوِيَ عن غيرِ واحدٍ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم منهُمْ عليّ وابنُ عُمَرَ‏:‏ أنّ عَلَيْهِ الرّجْمَ‏.‏ وقال ابنُ مسعودٍ‏:‏ ليس عليهِ حَدّ ولكن يُعَزّرُ‏.‏ وَذَهَبَ أحمدُ وإسحاقُ إلى ما رَوَى النعمانُ بنُ بشيرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأيوب بن مسكين‏)‏ بكسر ميم وكاف‏.‏ قال في تهذيب التهذيب‏:‏ أيوب ابن أبي مسكين ويقال مسكين التميمي أبو العلاء القصاب الواسطي روي عن قتادة وسعيد المقبري وأبي سفيان وغيرهم‏.‏ قال أحمد‏:‏ لا بأس به، وقال مرة‏:‏ رجل صالح ثقة انتهى‏.‏ وقال في التقريب‏:‏ صدوق له أوهام من السابعة ‏(‏عن حبيب ابن سالم‏)‏ الأنصاري مولى النعمان بن بشير، وكاتبه لا بأس به من الثالثة ‏(‏رفع إلى النعمان بن بشير‏)‏ الأنصاري الخزرجي له ولأبويه صحبه ثم سكن الشام ثم ولى إمرة الكوفة ثم قتل بحمص ‏(‏لأقضين فيها‏)‏ أي في هذه القضية، وفي رواية أبي داود فيك مكان فيها والخطاب للرجل ‏(‏لئن كانت أحلّتها له‏)‏ أي إن كانت امراته جعلت جاريتها حلالا وأذنت له فيها ‏(‏لأجلدنه مائة‏)‏ وفي رواية أبي داود جلدتك مائة‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ يعني أدبته تعزيزاً أو أبلغ به الحد تنكيلاً لا انه رأى حده بالجلد حداً له‏.‏ قال السندي بعد ذكر كلام ابن العربي هذا‏:‏ لأن المحصن حده الرجم لا الجلد، ولعل سبب ذلك أن المرأة إذا أحلت جاريتها لزوجها فهو إعارة الفروج فلا يصح لكن العارية تصير شبهة ضعيفة فيعزر صاحبها انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سلمة بن المحبق نحوه‏)‏ يضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعدها باء موحدة مشددة مفتوحة ومن أهل اللغة من يكسرها، وأخرج حديثه أبو داود والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها‏.‏ قال النسائي‏:‏ لا تصح هذه الأحاديث‏.‏ وقال البيهقي قبيصة ابن حربث يعني الذي روى هذا الحديث عن سلمة بن المحبق غير معروف‏.‏ وروينا عن أبي داود أنه قال سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف لا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث‏.‏ وقال البخاري في التاريخ‏:‏ قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق في حديثه نظر‏.‏ وقال ابن المنذر‏:‏ لا يثبت خبر سلمة بن المحبق‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ هذا حديث منكر وقبيصة بن حديث منكر وقبيصة بن حريث غير معروف والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع‏.‏ وقال بعضهم هذا كان قبل الحدود كذا في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث النعمان في إسناده اضطراب الخ‏)‏ أخرجه الخمسة كذا في المنتقى‏.‏ وقال المنذري‏:‏ وقال النسائي‏:‏ أحاديث النعمان كلها مضطربة‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ هذا الحديث غير متصل وليس العمل عليه انتهى ‏(‏إنما رواه عن خالد بن عرفطة‏)‏ بضم العين وسكون الراء المهملتين وضم الفاء وبعدها طاء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث‏.‏ قال في التقريب‏:‏ مقبول من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وذهب أحمد وإسحاق إلى ما روى النعمان بن بشير الخ‏)‏ قال الشوكاني‏:‏ وهذا هو الراجح لأن الحديث وإن كان فيه المقال الميقدم فأقل أحواله أن يكون شبهة يدرأ بها الحد انتهى‏.‏

980- باب ما جاءَ في الْمَرْأَةِ إذا اسْتُكْرِهَتْ عَلَى الزّنَا

1454- حدثنا عليّ بن حُجْرٍ، حدثنا مُعَمّرُ بنُ سُلَيْمانَ الرّقّيّ عن الحجاجِ بنِ أرطأَةَ عن عبدِ الجبّارِ بنِ وائِلِ بنِ حُجْرٍ عن أبِيهِ قال‏:‏ اسْتُكْرِهَتْ امرأةٌ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَدَرَأَ عنها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الحدّ وأقامهُ على الذي أصابَها، ولم يذكُرْ أنه جعلَ لها مَهْراً‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ غريبٌ وليس إسنادُهُ بِمُتّصِلٍ، وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ هذا الوَجْهِ‏:‏ قال سَمِعْتُ محمداً يقولُ‏:‏ عبدُ الجبّارِ بنُ وائلِ بنِ حُجْرٍ لم يَسْمَعْ مِنْ أبِيهِ ولا أدركَهُ يُقَالُ إنه وُلِدَ بعد مَوْتِ أبيهِ بأشهُرٍ‏.‏ والعملُ على هذا الحديثِ عندَ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم‏:‏ أنْ ليس على المُسْتَكْرَهِ حَدّ‏.‏

1455- حدثنا محمدُ بنُ يَحْيَى النّيسَابُورِيّ حدثنا محمدُ بنُ يُوسُفَ عن إسرائيلَ، حدثنا سِمَاك بنُ حَرْبٍ عن عَلْقَمَةَ بنِ وائلٍ الْكِنْدِيّ عن أبيهِ‏:‏ ‏"‏أنّ امرأَةً خرجَتْ عَلَى عهدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تُرِيدُ الصلاةَ فَتَلَقّاها رجلٌ فَيتحلّلَها فقضَى حاجتَهُ منها، فصاحَتْ، فانطلَقَ‏.‏ ومَرّ عليها رجلٌ فقالت‏:‏ إنّ ذاك الرجلَ فَعَلَ بي كذا وكذا‏.‏ ومَرّتْ بِعِصَابَةٍ مِنَ المُهاجِرِينَ فقالت‏:‏ إنّ ذاك الرجلَ فَعَلَ بي كذا وكذا، فانطلَقُوا فأخذُوا الرجلَ الذي ظَنّتْ أنه وَقَعَ عليها، وأَتَوْها، فقالت‏:‏ نَعَمْ هُوَ هذا‏.‏ فأتوا به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فلَمّا أمَرَ بِهِ لِيُرْجَمَ قامَ صاحِبُها الذي وَقَعَ عليها فقالَ‏:‏ يا رسولَ الله، أنا صاحبُها، فقال لها‏:‏ اذهبي فقد غَفَرَ الله لَكِ، وقال للرجلِ قَوْلاً حَسَناً، وقال للرجُلِ الذي وَقَعَ عليها ارْجُمُوهُ، وقال‏:‏ لقد تَابَ تَوْبَةً لو تابَها أهلُ المدينةِ لَقُبِلَ منهم‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريب صحيحٌ‏.‏ وعَلْقَمَةُ بنُ وائلِ بنِ حُجْرٍ سَمِعَ من أبيهِ وهو أكبرُ من عبدِ الجبّارِ، وعبدُ الجبّارِ لم يَسْمَعْ من أبيهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا معمر‏)‏ بوزن محمد قال في التقريب‏:‏ معمر في التشديد ابن سليمان النخعي أبو عبد الله الكوفي ثقة فاضل، أخطأ الأزدي في تليينه‏.‏ وأخطأ من زعم أن البخاري أخرج له من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏استكرهت امرأة‏)‏ بصيغة المجهول أي جامعها رجل بالإكراه ‏(‏فدرأ‏)‏ أي دفع ‏(‏وأقامه‏)‏ أي الحد ‏(‏على الذى أصابها‏)‏ أي جامعها ‏(‏ولم يذكر‏)‏ أي الراوي‏.‏ قال القاري في المرقاة‏:‏ وفي نسخة يعني من المشكاة بصيغة المجهول أي ولم يذكر في الحديث ‏(‏أنه‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏جعل لها مهراً‏)‏ أي على مجامعها‏.‏ قال المظهر‏:‏ وكذا ابن الملك لا يذل هذا على عدم وجوب المهر لأنه ثبت وجوبه لها إيجابه صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل‏)‏ لأن عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه ‏(‏وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه‏)‏ أي من غير هذا الإسناد، وقد رواه الترمذي فيما بعد فقال حدثنا محمد بن يحيى الخ ‏(‏سمعت محمداً‏)‏ هو الإمام البخاري ‏(‏عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه‏)‏ هذا صحيح ‏(‏ولا أدركه يقال إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر‏)‏ هذا ليس بصحيح بل الصواب أنه ولد في حياة أبيه‏.‏ روى أبو داود في سننه قال‏:‏ حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا عبد الوارث بن سعيد أخبرنا محمد بن جحادة حدثني عبد الجبار بن وائل قال‏:‏ كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي، فحدثني وائل بن علقمة عن أبي وائل‏:‏ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا كبر رفع يديه الحديث‏.‏ فقول عبد الجبار‏:‏ كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي نص صريح في أن عبد الجبار قد ولد في حياة أبيه‏.‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب‏:‏ وهذا القول ضعيف جداً فإنه قد صح أنه قال‏:‏ كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي ولو مات أبوه وهو حمل لم يقل هذا القول انتهى‏.‏

فإن قلت‏:‏ قال الحافظ في تهذيب التهذيب‏:‏ نص أبو بكر البزار على أن القائل كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي هو علقمة بن وائل لا أخوه عبد الجبار‏.‏

قلت‏:‏ قول أبي بكر البزار هذا ضعيف جداً، فإنه لو كان قائل كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي هو علقمة لم يقل فحدثني علقمة بن وائل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تريد الصلاة‏)‏ حال أو استئناف تعليل ‏(‏فتلقاها رجل‏)‏ أي قابلها ‏(‏فتجللها‏)‏ أي فغشيها بثوبه فصار كالجل عليها ‏(‏فقضى حاجته منها‏)‏ قال القاضي أي غشيها وجامعها، كنى به عن الوطء كما كنى عنه بالغشيان ‏(‏فانطلق‏)‏ أي الرجل الذي جامعها ‏(‏ومر بها رجل‏)‏ أي آخر غير الذي جللها ‏(‏فقالت إن ذلك الرجل‏)‏ أي المار الذي بما يجللها ‏(‏فعل بي كذا وكذا‏)‏ أي التجليل وقضاء الحاجة منها، والحال أن ذلك الرجل المار ما كان فعل بها ‏(‏ومرت عصابة‏)‏ بكسر العين أي جماعة، وفي رواية أبي داود‏:‏ ومرت عصابة ‏(‏فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها‏)‏ وكان ظنها غلطاً ‏(‏أنا صاحبها‏)‏ أي أن الذي جللتها وقضيت حاجتي منها لا الذي أخذوه وأتوابه عندك ‏(‏فقال لها اذهبي فقد غفر الله لك‏)‏ لكونها مكرهة ‏(‏وقال للرجل‏)‏ زاد في رواية أبي داود يعني الرجل المأخوذ ‏(‏قولا حسناً‏)‏ لأنه كان مأخوذاً من غير ذنب ‏(‏وقال للرجل الذي وقع عليها ارجموه‏)‏ لأنه كان معترفاً بما قالت المرأة وكان محصناً ‏(‏وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل‏)‏ أما كون علقمه أكبر من عبد الجبار فيدل عليه رواية أبي داود المذكورة‏.‏ وأما سماع علقمه من أبيه فيدل عليه روايات عديدة‏.‏

منها ما اخرجه مسلم في صحيحه من حديث القصاص من طريق سِمَاك بن حرب عن علقمه بن وائل حدثه أن أباه حدثه الحديث‏.‏

ومنها ما اخرجه النسائي في باب رفع اليدين عند الرفع من الركوع أخبرنا سويد ابن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن قيس بن سليم العنبري حدثني علقمة بن وائل حدثني أبي فذكر الحديث‏.‏ وأخرجه البخاري في جزء رفع اليدين‏:‏ حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين أنبأنا قيس بن سليم العنبري قال‏:‏ سمعت علقمة بن وائل بن حجر حدثني أبي فذكر الحديث‏.‏ فقوله إن أباه حدثه في رواية مسلم وكذا قوله حدثني أبي في رواية النسائي والبخاري دليل صريح على سماع علقمة من أبيه‏.‏ فالحق أن علقمة سمع من أبيه وأنه أكبر من أخيه عبد الجبار‏.‏

فإن قيل‏:‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ علقمة بن وائل بن حجر صدوق إلا أنه لم يسمع من أبيه انتهى‏.‏ وقد قال في أوائل التقريب إني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه وأعدل ما وصف به انتهى‏.‏ فظهر أن أعدل الأقوال وأصحها أن علقمة لم يسمع من أبيه‏.‏

قلت قول الحافظ في التقريب بأن علقمة لم يسمع من أبيه معارض بقوله في بلوغ المرام في صفة الصلاة بعد ذكر حديث من طريق علقمة بن وائل عن أبيه رواه أبو داود بإسناد صحيح‏.‏ فقول الحافظ رواه أبو داود بإسناد صحيح، يدل على أن علقمة سمع من أبيه، والظاهر أن يقال‏:‏ إن الحافظ كان قائلا أولا بعدم سماع علقمة من أبيه ثم تحقق عنده سماعه منه فرجع من قوله الأول والله تعالى أعلم‏.‏ وإن لم يقل هذا فلا شك أن في قوله في التقريب بأن علقمة لم يسمع من أبيه، يرده رواية أبي داود المذكورة والله تعالى أعلم‏.‏

981- باب ما جاءَ فيمَنْ يَقَعُ عَلَى البَهِيمَة

1456- حدثنا محمدُ بنُ عمْرٍو السّوّاقُ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن عمرِو بنِ أبي عمرٍو عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عباسٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ‏"‏‏.‏ فَقِيلَ لابنِ عباسٍ‏:‏ ما شأنُ البهيمةِ‏؟‏ قال‏:‏ ما سَمِعْتُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً، ولكنْ أرَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كَرِهَ أن يُؤكَلَ من لَحْمِها أو يُنْتَفَعَ بها، وقد عُمِلَ بها ذلك العملُ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ إلا من حديثِ عمرِو بنِ أبي عمرٍو عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقد رَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِيّ عن عاصمٍ عن أبي رُزَيْنٍ عن ابنِ عباسٍ أنه قال‏:‏ مَنْ أتَى بَهِيمَةً فلا حَدّ عليهِ‏.‏

1457- حدثنا بذلكَ محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي، حدثنا سفيانُ الثّوْرِيّ، وهذا أصحّ من الحديثِ الأولِ‏.‏ والعملُ على هذا عند أهلِ الْعِلْمِ وهو قَوْلُ أحمدَ وإسحاقَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمرو بن أبي عمرو‏)‏ في التقريب عمرو بن أبي عمرو ميسرة مولى المطلب المدني أبو عثمان ثقة ربما وهم من الخامسة ‏(‏فاقتلوه‏)‏ قال القاري أي فاضربوه ضرباً شديداً أو أراد به وعيداً أو تهديداً ‏(‏واقتلوا البهيمة‏)‏ قيل لئلا يتولد منها حيوان على صورة إنسان، وقيل كراهة أن يلحق صاحبها الخزي في الدنيا لإبقائها‏.‏ وفي شرح المظهر قال مالك والشافعي في أظهر قوليه وأبو حنيفة وأحمد إنه يعزر‏.‏ وقال إسحاق‏:‏ يقتل إن عمل ذلك مع العلم بالنهي، والبهيمة قيل إن كانت مأكولة تقتل وإلا فوجهان القتل لظاهر الحديث وعدم القتل للنهي عن ذبح الحيوان إلا لأهله ‏(‏فقيل لابن عباس ما شأن البهيمة‏)‏ أي لا عقل لها ولا تكليف عليها فما بالها تقتل ‏(‏فقال ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً‏)‏ أي من العلل والحكم ‏(‏ولكن أرى‏)‏ بضم الهمزة أي أظن ‏(‏أو ينتفع‏)‏ بها أي بلبنها وشعرها وتوليدها وغير ذلك ‏(‏وقد عمل بها ذاك العمل‏)‏ أي المكروه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو الخ‏)‏ أخرجه الخمسة ورجاله موثقون إلا أن فيه اختلافاً كذا في بلوغ المرام ويأتي باقي الكلام على هذا الحديث فيما بعد ‏(‏وروى سفيان الثوري عن عاصم‏)‏ هو ابن أبي النجود ‏(‏عن أبي رزين‏)‏ هو مسعود بن مالك الأسدي الكوفي ثقة فاضل من الثانية ‏(‏من أتى بهيمة فلا حد عليه‏)‏ هذا قول ابن عباس رضي الله عنه زاد أبو داود وكذا قال عطاء وقال الحكم‏:‏ أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحد‏.‏ وقال الحسن‏:‏ هو يمتزلة الزاني‏.‏ قال أبو داود‏:‏ حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو انتهى‏.‏

قلت‏:‏ عطاء تابعي جليل مشهور، والحكم هذا هو ابن عتيبة الكوفي أحد الأئمة الفقهاء‏.‏ والحسن هذا هو الحسن البصري‏.‏ قال الخطابي‏:‏ يريد ‏(‏أي أبو داود بقوله حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو‏)‏ أن ابن عباس لو كان عنده في هذا الباب حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لما يخالفه انتهى ‏(‏وهذا‏)‏ أي حديث عاصم الموقوف على ابن عباس ‏(‏أصح من الحديث الأول‏)‏ يعني حديث عمرو بن أبي عمرو المذكور أولا، وحديث عاصم هذا أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أهل العلم‏)‏ أي عملهم على حديث عاصم الموقوف يعني أنهم قالوا بأنه‏:‏ لا حد على من أتى البهيمة ‏(‏وهو قول أحمد وإسحاق‏)‏‏.‏ قال الخطابي‏:‏ وأكثر الفقهاء على أنه يعزر، وكذلك قال عطاء والنخعي، وبه قال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي انتهى‏.‏

982- باب ما جاءَ في حَدّ اللُوطِي

1458- حدثنا محمدُ بنُ عمرٍو السّوّاقُ، حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن عمرِو بنِ أبي عمرٍو عن عِكْرَمَةَ عن ابنِ عباسٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قوم لُوطٍ فاقْتُلُوا الْفَاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ‏"‏ قال وفي الباب عن جابرٍ وأبي هريرةَ‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ وإنما يُعْرفُ هذا الحديث عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من هذا الوجْهِ‏.‏ ورَوَى محمدُ بنُ إسحاقَ هذا الحديثَ عن عمرِو بن أبي عمرٍو فقال‏:‏ ‏"‏مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ‏"‏ ولم يذكُرْ فيه الْقَتْلَ وذكَرَ فيه ملعونٌ مَنْ أتَى بَهِيمَةً‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عاصمِ بنِ عُمَرَ عن سُهَيْلٍ بنِ أبي صالحٍ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏اقْتُلُوا الْفَاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ في إسنادِهِ مَقَالٌ ولا نعرف أحداً رواه عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ غير عاصمِ بنِ عُمَرَ العُمَرِيّ، وعاصمُ بنُ عمرَ يُضَعّفُ في الحديثِ من قِبَلِ حِفْظِهِ‏.‏ واختلف أهلُ العِلْمِ في حَدّ اللوطي، فَرَأَى بعضُهم أنّ عليهِ الرّجْمَ أُحْصِنَ أو لم يُحْصِنْ‏.‏ وهذا قولُ مالكٍ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏

وقال بعضُ أهلِ الْعِلْمِ من فُقهاءِ التابعينَ منهُمْ الحسَنُ البَصْرِيّ وإبراهيمُ النخْعِيّ وعَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ وغيرُهم، قالوا‏:‏ حَدّ اللوطيّ حَدّ الزّانِي‏.‏ وهو قولُ الثّوْرِيّ وأهلِ الْكُوفَةِ‏.‏

1459- حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، حدثنا هَمّامٌ عن القاسمِ بنِ عبدِ الواحدِ المَكّيّ عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عُقِيلٍ أنه سَمِعَ جابراً يقولُ‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلَى أُمّتِي عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ إنما نَعْرِفُهُ من هذا الوجهِ عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عقيلِ بنِ أبي طالِبٍ عن جابرٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من وجدتموه‏)‏ أي علمتموه ‏(‏يعمل عمل قوم لوط‏)‏ أي بعمل قوم لوط اللواطة ‏(‏فاقتلوا الفاعل والمفعول به‏)‏‏.‏ قال في شرح السنة‏:‏ اختلفوا في حد اللوطي، فذهب الشافعي في أظهر قوليه وأبو يوسف ومحمد إلى أن حد الفاعل حد الزنا، أي إن كان محصناً يرجم وإن لم يكن محصناً يجلد مائة، وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائه وتغريب عام رجلاً كان أو امرأة محصناً أو غير محصن‏.‏ لأن التمكين في الدّبر لا يحصنها فلا يحصنها حد المحصنات‏.‏ وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم محصناً كان أو غير محصن، وبه قال مالك وأحمد، والقول الاَخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به كما هو ظاهر الحديث‏:‏ وقد قيل في كيفية قتلهما هدم بناء عليهما، وقيل رميهما من شاهق كما فعل بقوم لوط‏.‏ وعند أبي حنيفة يعزر ولا يحد انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جاير وأبي هريرة‏)‏ أما حديث جابر فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجة والحاكم عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ اقتلوا الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا‏.‏ وأسناده ضعيف، وذكره الترمذي معلقاً ‏(‏فقال وقد روي هذا الحديث عن عاصم بن عمر الخ‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عنه وعاصم متروك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واختلف أهل العلم في حد اللوطي فرأى بعضهم أن عليه الرجم أحصن أو لم يحصن‏.‏ وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ أخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه أنه رجم لوطياً، قال الشافعي‏:‏ وبهذا نأخذ يرجم اللوطي محصناً كان أو غير محصن‏.‏ وروى ابن ماجة من طريق عاصم بن عمر العمري عن أبي هريرة بلفظ‏:‏ فارجموا الْاعلى والأسفل‏.‏ وقد عرفت أن عاصماً هذا متروك، وأما رجم علي رضي الله عنه لوطياً فهو فعله ‏(‏وقال بعض أهل العلم من فقهاء التابعين منهم الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم قالوا‏:‏ حد اللوطي حد الزاني وهو قول الثوري وأهل الكوفة‏)‏ وهو قول الشافعي فيجلد عند هؤلاء الأئمة البكر ويغرب ويرجم المحصن‏.‏ واحتجوا بأن التلوط نوع من أنواع الزنا لأنه أيلاج فرج في فرج فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الأدلة الواردة في الزاتي المحصن والبكر، ويؤيد ذلك حديث‏:‏ أذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان‏.‏ أخرجه البيهقي من حديث أبي موسى وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن كذبه أبو حاتم، وقال البيهقي لا أعرفه والحديث منكر بهذا الإسناد انتهى‏.‏ ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى وفيه بشر بن المفضل البجلي وهو مجهول‏.‏ وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه‏.‏ وعلى فرض عدم شمول الأدلة المذكورة لهما فهما لاحقان بالزاني بالقياس‏.‏

ويجاب عن ذلك بأن الأدلة الواردة بقال الفاعل والمفعول به مطلقاً مخصصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها اللوطي ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول لأنه يصير فاسد الاعتبار كما تقرر في الأصول‏.‏

وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له إلى أنه يعزر اللوطي فقط، ولا يخفي ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة المذكورة في خصوص اللوطي والأدلة الواردة في الزاني على العموم‏.‏ وأما الاستدلال لهذا بحديث‏:‏ لأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في العقوبة، فمردود بأن ذلك أنما هو مع التباس والنزاع ليس هو في ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط‏)‏ أخوف ليدل أفعل تفصيل بمعنى المفعول‏.‏ قال الطيبي أضاف أفعل إلى ما وهي نكرة موصوفة ليدل على أنه أذا استقصي الأشياء المخوف منها شيئاً بعد شيء لم يوجد أخوف من فعل قوم لوط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه ابن ماجة‏.‏

983- باب ما جاءَ في المرْتَد

‏(‏باب ما جاء في المرتد‏)‏ أي في حكم الذي ارتد عن الإسلام

1460- حدثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضّبّيّ البصريّ، حدثنا عبدُ الْوَهّابِ الثقفيّ، حدثنا أَيّوبُ عن عِكْرِمَةَ أنّ عَلِيَاً حَرّقَ قوماً ارْتَدّوا عن الإسلامِ، فَبَلَغَ ذلك ابنَ عبّاسٍ فقال‏:‏ لو كُنْتُ أنا لَقَتَلْتُهُمْ لقَوْلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ بَدّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، ولم أكُنْ لاِحَرّقَهمْ، لقول رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا تُعَذّبُوا بِعَذَابِ الله‏"‏ فبلغَ ذلك عَلِيا فقال‏:‏ صَدَقَ ابنُ عباسٍ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ صحيح حسنٌ، والعملُ على هذا عندَ أهلِ الْعِلْمِ في المُرْتَدّ‏.‏

واختلَفُوا في المرأةِ إذا ارْتَدّتْ عن الإسلامِ‏.‏ فقالتْ طائفةٌ من أهلِ الْعِلْمِ‏:‏ تُقْتَلُ‏.‏ وهو قولُ الأوزاعيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏ وقالت طائفةٌ منهم‏:‏ تُحْبَسُ ولا تُقْتَلُ‏.‏ وهو قولُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وغيرِه من أهلِ الكُوفَةِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن علياً حرق قوماً ارتدوا عن الإسلام‏)‏ روى الطبراني في الأوسط من طريق سويد بن غفلة أن علياً بلغة أن قوماً ارتدوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال صدق الله ورسوله‏.‏ وزعم أبو المظفر الإسفرايني في الملل والنحل‏:‏ أن الذين أحرقهم على طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية وهم السبائية وكان كبيرهم عبد الله بن سبا يهودياً ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة كذا قال الحافظ في الفتح ذكر بإسناده رواية تؤيد ما زعمه الإسفرايني في الملل والنحل ‏(‏فبلغ ذلك ابن عباس‏)‏ وكان ابن عباس حينئذ أميراً على البصرة من قبل علي رضي الله عنه ‏(‏لو كنت أنا‏)‏ أنا تأكيد للضمير المتصل والخبر محذوف أي لو كنت أنا بدله ‏(‏من بدل دينه فاقتلوه‏)‏ قال الحافظ قوله ‏"‏من‏"‏ عام يخص منه من بدله في الباطن، ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فأنه تجري عليه أحكام الظاهر ويستثنى منه، من بدل دينه في الظاهر مع الإكراه ‏(‏لا تعذبوا بعذاب الله‏)‏ أي بالقتل بالنار ‏(‏فبلغ ذلك علياً فقال صدق ابن عباس‏)‏ قال الحافظ وفي رواية ابن علية فبلغ علياً فقال ويح أم ابن عباس كذا عند أبي داود وعند الدارقطني بحذف أم وهو محتمل أنه لم يرضى بما اعترض به ورأى أن النهي للتنزيه، وهذا بناء على تفسير ويح بأنها كلمة رحمة فتوجع له لكونه حمل النهي على ظاهره فاعتقد مطلقاً فأنكر، ويحتمل أن يكون قالها رضا بما قال وأنه حفظ ما نسيه بناء على أحد ما قيل في تفسير ويح أنها تقال بمعنى المدح والتعجب كما حكاه في النهاية انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لفظ الترمذي‏:‏ فبلغ ذلك علياً فقال صدق، يدل على أن المراد بقوله ويح أم ابن عباس المدح والتعجب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول الجمهور وهو الأصح الموافق لحديث الباب فإن لفظ ‏(‏من‏)‏ في قوله من بدل دينه علم شامل للرجل والمرأة ‏(‏وقالت طائفة منهم تحبس ولا تقتل‏)‏ أي المرأة المرتدة ‏(‏وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل الكوفة‏)‏ وهو قول الحنفية‏:‏ قال الحافظ في الفتح استدل بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من يدل دينه فاقتلوه، على قتل المرتدة كالمرتد، وخصه الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال ولا القتل، لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة ما كانت هذه لتقاتل، ثم نهى عن قتل النساء‏.‏ واحتجوا أيضاً بأن من الشرطية لا تعم المؤنث، وتعقب بأن ابن عباس راوي الخبر قد قال‏:‏ تقتل المرتدة، وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كله ابن المنذر، وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن، وأخرج مثله مرفوعاً في قتل المرتدة لكن سنده ضعيف، وقد وقع في حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له‏:‏ أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فأن عادت وإلا فاضرب عنقها‏.‏ وسنده حسن، وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير إليه ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف، ومن صور الزنا رجم المحصن فاستثنى ذلك من النهي عن قتل النساء فكذلك يستثنى قتل المرتدة انتهى‏.‏

984- باب ما جَاءَ فيمَنْ شَهَرَ السّلاَح

1461- حدثنا أبو كُرَيْبٍ و أبو السائبِ سالم بن جنادة‏.‏ حدثنا أبو أُسامةَ عن بُرَيْدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بُرْدَةَ عن جَدّهِ أبي بردةَ عن أبي مُوسَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ مَنْ حَمَلَ عَلْينَا السّلاَحَ فَلَيْسَ مِنّا‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وابنِ الزّبَيْرِ وأبي هريرةَ وسَلَمَةَ بنِ الأكْوعِ‏.‏

قال أبو عيسى حديثُ أبي مُوسَى حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قال في القاموس‏:‏ شهر سيفه كمنع وشهره انتضاه فرفعه على الناس‏.‏ وقال في الصراح شهر شمشير بركشيدن ازنيام، والسلاح بالكسر آلة الحرب وحديدتها ويؤنث والسيف والقوس بلا وتر والعصا‏.‏

قوله ‏(‏من حمل علينا السلاح‏)‏ وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم من سل علينا السيف، ومعنى الحديث حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق لما في ذلك تخويفهم وأدخال الرعب عليهم، وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة، قال ابن دقيق العيد‏:‏ يحتمل أن يراد بالحمل ما يضاد الوضع ويكون كناية عن القتال به، ويحتمل أن يراد بحمل حمله لإرادة القتال لقرينه قوله علينا، ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به، وعلى كل حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه‏.‏

قال الحافظ‏:‏ جاء الحديث بلفظ‏:‏ من شهر علينا السلاح أخرج البزار من حديث أبي بكرة ومن حديث سمرة ومن حديث عمرو بن عوف وفي سند كل منها لين لكنها يعضد بعضها بعضاً وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ‏:‏ من رمانا بالنبل فليس منا، وهو عند الطبراني في الأوسط بلفظ‏:‏ الليل بدل النبل، وعند البزار من حديث بريدة مثله ‏(‏فليس منا‏)‏ أي ليس على طريقتنا أو ليس متعباً لطريقتنا، لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله‏.‏ ونظيره من غشنا فليس منا، وليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب‏.‏ وهذا في حق من لا يستحل ذلك، فأما من يستحله فإنه يكفر بأستحلال المحرم بشرطه لا بمجرد حمل السلاح‏.‏ والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر‏.‏ وكان سفيان بن عينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره فيقول معناه ليس على طريقتنا، ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه‏.‏ والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالماً انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وابي هريرة وسلمة بن الأكوع‏)‏ أما حديث ابن عمر وأبي هريرة فأخرجه الشيخان بلفظ حديث الباب‏.‏ وأما حديث ابن الزبير فلينظر من أخرجه‏.‏ وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي موسى حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري‏.‏

985- باب ما جاءَ في حَدّ السّاحِر

1462- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن إسماعيلَ بنِ مُسْلِمٍ عن الحسن عن جُنْدُبٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حَدّ السّاحِرِ ضَرْبَةٌ بالسّيْفِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ لا نَعْرِفُهُ مرفوعاً إلا من هذا الوجهِ، وإسماعيلُ بنُ مُسْلِمٍ المَكيّ يُضَعّفُ في الحديثِ، وإسماعيلُ بنُ مُسْلِمٍ الْعَبديّ البَصريّ‏.‏ قال وَكِيعٌ هو ثِقَةٌ ويَرْوِي عن الحسَنِ أيضاً والصحيحُ عن جُنْدُبٍ موقوفٌ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم، وهو قولُ مالكِ بنِ أنسٍ، وقال الشافعيّ‏:‏ إنما يُقْتَلُ السّاحرُ إذا كان يَعْمَلُ في سِحْرِهِ ما يَبْلغُ الكُفْرَ، فإذا عَمِلَ عملاً دُونَ الكفر فلم نرَ عَلَيهِ قَتْلاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حد الساحر ضربة بالسيف‏)‏ قال في مجمع يروى بالتاء وبالهاء، وعدل عن القتل إلى هذا كي لا يتجاوز منه إلى أمر آخر، واستدل به من قال‏:‏ إن حد الساحر القتل لكن الحديث ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي ‏(‏وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه‏)‏ قال في القريب‏:‏ إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق كان من البصرة ثم سكن مكة وكان فقيهاً ضعيف الحديث من الخامسة ‏(‏وإسماعيل بن مسلمم العبدي البصري قال وكيع‏:‏ هو ثقة ويروي عن الحسن أيضاً‏)‏ أي كما يروي عنه أسماعيل بن مسلم المكي‏.‏ قال في التقريب‏:‏ أسماعيل بن مسلم العبدي أبو محمد البصري القاضي ثقة من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول مالك بن انس الخ‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع، قال‏:‏ وقد يكون كفراً وقد لا يكون كفرا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر وإلا فلا‏.‏ وأما تعلمه وتعليمه فحرام، قال‏:‏ ولا يقتل عندنا يعني الساحر، فإن تاب قبلت توبته، وقال مالك‏:‏ الساحر كافر بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله‏.‏ والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق، لأن الساحر عنده كافر كما ذكرنا وعندنا ليس بكافر وعندما تقبل توبة المنافق والزنديق‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ وقول مالك قال أحمد بن حنبل وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين‏.‏ قال أصحابنا إذا قتل الساحر بسحره إنساناً أو اعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالباً لزمه القصاص، وإن مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته، لأن العاقلة لا تجمل ما ثبت باعتراف الجاني‏.‏ قال أصحابنا‏:‏ ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة وإنما يتصور باعتراف الساحر والله تعالى أعلم‏.‏ انتهى كلام النووي‏.‏

986- باب ما جاءَ في الْغَالّ ما يُصْنَعُ بِه

1463- حدثنا محمدُ بنُ عمْرٍو السوّاق حدثنا عبدُ العزيز بنُ محمدٍ عن صالحِ بنِ محمدِ بنِ زَائدةَ عن سالمِ بنِ عمرَ عن عبدِ الله بنِ عمرَ عن عمرَ أنّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ وَجَدْتُمُوهُ غَلّ في سَبِيلِ الله فَاحْرِقُوا مَتَاعَه‏"‏‏.‏ قال صالحٌ‏:‏ فدخلْتُ على مَسْلَمَةَ وَمَعَهُ سالمُ بنُ عبدِ الله فَوجَدَ رجلاً قد غَلّ، فحدّثَ سالمٌ بهذا الحديثِ، فأمرَ به فأحرقَ مَتَاعَهُ، فَوُجِدَ في مَتَاعِهِ مُصْحَفٌ، فقال سالمٌ‏:‏ بِعْ هذا وتَصَدّقْ بِثَمَنِه‏.‏

قال أبو عيسى هذا الحديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُه إلا من هذا الوجهِ‏.‏ والعملُ على هذا عند بعض أهلِ الْعِلْمِ، وهو قول الأوزاعيّ وأحمدُ وإسحاقَ‏.‏

قال‏:‏ وسألْتُ محمداً عن هذا الحديثِ فقال‏:‏ إنما رَوَى هذا صالحُ بنُ محمدِ بنِ زائدةَ وهو أبو وَاقِدٍ الليثيّ وهو مُنْكَرُ الحديثِ‏.‏ قال محمد‏:‏ وقد رُوِيَ في غيرِ حديثٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الغالّ فلم يأمْرُ فِيهِ بِحرقِ مَتَاعِهِ‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ‏.‏

قوله من وجدتموه غل في سبيل الله‏:‏ أي سرق من مال الغنيمة‏.‏ والغلول‏:‏ هو الخيانة في المغنم ‏(‏فاحرقوا متاعه‏)‏ قد استدل بهذا الحديث من قال بحرق متاع الغال‏.‏

‏(‏قوله هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي‏.‏

‏(‏قوله وهو قول الإوزاعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول مكحول وعن الحسن ويحرق متاعه كله إلا الحيوان والمصحف‏.‏ وقال الطحاوي‏:‏ لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو منكر الحديث‏)‏ قال المنذري‏:‏ صالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقد قيل إنه تفرد به‏.‏ وقال البخاري‏:‏ عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول وهو باطل ليس بشيء‏.‏ وقال الدارقطني‏:‏ أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال‏:‏ وهذا حديث لم يتابع عليه ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ والمحفوظ أن سالماً أمر بذلك، وصحح أبو داود وقفه ‏(‏وقال محمد‏:‏ وقد روى في غير حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغال ولم يأمر فيه بحرق متاعه‏)‏ الحرق يفتح الحاء المهملة والراء وقد تسكن الراء كما النهاية مصدر حرق بفتح الحاء وكسر الراء، وهذا لفظ رواية الترمذي عن البخاري رحمه الله، ولفظ البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد في باب القليل من الغلول، ولم يذكر عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرق متاعه، يعني في حديثه الذي ساقه في ذلك الباب وهو حديث عبد الله بن عمر قال‏:‏ كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها‏.‏ ثم قال البخاري وهذا أصح‏.‏ قال في الفتح أشار إلى تضعيف حديث عبد الله بن عمر في الأمر بحرق رحل الغال انتهى‏.‏

987- باب ما جاءَ فِيمَنْ يَقُولُ لاَخر يَا مُخَنّث

1464- حدثنا محمدُ بنُ رافعٍ، حدثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ أبي حَبِيبَة عن داوُدَ بنِ الحُصيْنِ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذَا قَالَ الرّجُلُ لِلرّجُلِ يَا يِهُودِيّ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَإذاَ قالَ يَا مُخَنّثُ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ، وإبراهيمُ بنُ إسماعيلَ يُضَعّفُ في الحديثِ‏.‏ والعملُ على هذا عند أصحابِنَا، قالوا مَنْ أتَى ذَاتَ مَحْرَمٍ وهو يعلمُ فَعَلْيهِ الْقَتْلُ‏.‏

وقال أحمدُ‏:‏ مَنْ تَزَوّجَ أُمّهُ قُتِلَ‏.‏ وقال إسحاقُ‏:‏ مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ قُتِلَ‏.‏

وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من غيرِ وجهٍ، رَوَاهُ الْبَرَاءُ بنُ عازِبٍ وقُرّةُ بنُ إيَاسٍ المُزَنِيّ‏:‏ أنّ رَجُلاً تَزَوّجَ امرأةَ أبيهِ فأمرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ‏.‏

بفتح النون المشددة ويكسر هو من يتشبّه بالنساء سمي به لانكسار كلامه وقيل قياسه الكسر والمشهور فتحه، والتشبه قد يكون طبيعياً وقد يكون تكليفاً‏.‏ ومن الثاني حديث كذا في مجمع البحار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا قال الرجل للرجل‏)‏ أي المسلم ‏(‏يا يهودي‏)‏ قال القاري‏:‏ وفي معناه يا نصراني ويا كافر ‏(‏فاضربوه عشرين‏)‏ أي سوطاً ‏(‏وإذا قال يا مختث فاضربوه عشرين‏)‏ قال الطبي‏:‏ قوله يا يهودي فيه تورية وإيهام لأنه يحتمل أن يراد به الكفر والذلة لأن اليهود مثل في الصغار، والحمل على الثاني أرجح اللدّرء في الحدود، وعلى هذا المخنث انتهى ‏(‏ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه‏)‏ أي من وقع بالجماع متعمداً، وفيه دليل لمن قال أن من وقع على ذات محرم يقتل، قال المظهر‏:‏ حكم أحمد بظاهر الحديث، وقال غيره‏:‏ هذا زجر وإلا حكمه حكم سائر الزناة يرجم أن كان محصناً، ويجلد إن كان غير محصن، كذا في المرقاة‏.‏ قلت‏:‏ والظاهر ما قال الإمام أحمد ولا حاجة لحمل الحديث على الزجر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإبراهيم بن إسماعيل يضعف في الحديث‏)‏ قال في التقريب ابراهيم بن إسماعيل ابن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي مولاهم أبو إسماعيل المدني ضعيف من السابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه رواه البراء بن عازب وقرة بن إياس المزني أن رجلاً الخ‏)‏ تقدم حديث البراء وحديث قرة في باب من تزوج امرأة أبيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قالوا من أتى ذات محرم‏)‏ أي جامعها ‏(‏وهو يعلم‏)‏ جملة حالية، أي والحال أنه يعلم بتحريمها ‏(‏فعليه القتل‏)‏ أي فعليه أن يقتل، يعني يجب قتله وهو الظاهر وعليه تدل أحاديث الباب‏.‏ وأما الذين قالوا إن عليه حد الزنا فأحاديث الباب حجة عليهم والله تعالى أعلم‏.‏

988- باب ما جاءَ في التّعزِير

1465- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أبي حبيبٍ عن بُكَيْرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشَجّ عن سُلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ جابرِ بنِ عبدِ الله عن أبي بُرْدَةَ بنِ نِيَارٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يُجْلَدُ فَوْقَ عشر جَلْدَاتٍ إلاّ في حَد مِنْ حُدُودِ الله‏"‏‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من حديث بكير بن الاشج، وقد اختلف اهل العلم في التعزيز وأحسن شيء روي في التعزيز هذا الحديث قال‏:‏ وقد رَوَى هذا الحديثَ ابنُ لَهِيعَةَ عن بُكَيْرٍ فأَخْطَأَ فيه وقال‏:‏ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ جابرِ بنِ عبدِ الله عن أبيهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو خطأٌ‏.‏ والصحيحُ حديثُ الليثِ بنِ سعدٍ إنما هو عبدُ الرحمنِ بنُ جابرِ بنِ عبدِ الله عن أبي بُرْدَةَ بنِ نِيارٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم

قال في المغرب‏:‏ التعزير تأديب دون الحد وأصله من العزر بمعنى الرد والردع‏.‏ قال ابن الهمام‏:‏ وهو مشروع بالكتاب قال تعالى ‏{‏فاضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا غليهن سبيلا‏}‏ أمر بضرب الزوجات تأديباً وتهذيباً‏.‏ كذا في المرقاة القاري، وقال فيه بعد ذكر أحاديث في ثبوت التعزيز ما لفظه‏:‏ وأقوى هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ فاضربوهم على تركها بعشر في الصبيان‏.‏ فهذا دليل شرعية التعزير وأجمع عليه الصحابة انتهى كلامه‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ التعزير مأخوذ من العزر وهو الرد والمنع، واستعمل في الدفع عن الشخص كدفع أعدائه عنه ومنعهم من إضراره، ومنه ‏{‏وآمنتم برسلي وعزرتموهم‏}‏ وكدفعة عن إتيان القبيح، منه عزره القاضي شأن أدبه لئلا يعود إلى القبيح ويكون بالقول وبالفعل يحسب ما يليق به انتهى‏.‏

قوله ‏(‏لا يجلد‏)‏ بضم أوله بصيغة النفي وروى بصيغة النهي مجزوما ‏(‏فوق عشر جلدات‏)‏ وفي رواية فوق عشرة أسواط، وفي رواية فوق عشر ضربات ‏(‏إلا في حد من حدود الله‏)‏ المراد به ما ورد عن الشرع مقدراً بعدد مخصوص كحد الزنا والقذف ونحوهما‏.‏ وقيل المراد بالحد هنا عقوبة المعصية مطلقاً لا الأشياء المخصوصة، فإن ذلك التخصيص إنما اصطلاح الفقهاء‏.‏ وعرف الشرع أطلاق الحد على كل عقوبة لمعصية من المعاصي كبيرة أو صغيرة، ونسب ابن دقيق العيد هذه المقالة إلى بعض المعاصرين له، وإليها ذهب ابن القيم وقال المراد بالنهي المذكور في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه الصغير، واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة، ويؤكد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف‏:‏ أن أخف الحدود ثمانون‏.‏ ذكره الشوكاني ملخصاً من كلام الحافظ، قلت‏:‏ وقول عبد الرحمن بن عوف هذا رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فجلد بجريدتين نحو أربعين‏.‏ قال‏:‏ وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس عبد الرحمن‏:‏ أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث غريب الخ‏)‏ أخرجه الجماعة إلا النسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد اختلف أهل العلم في التعزير الخ‏)‏ قال الحافظ‏:‏ قد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث، فأخذ بظاهره الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية‏.‏ وقال مالك والشافعي وصاحباً أبي حنيفة‏:‏ تجوز الزيادة على العشر، ثم اختلفوا فقال الشافعي‏:‏ لا يبلغ الحدود، وهل الاعتبار بحد الحر أو العبد قولان‏.‏ وفي قول أو وجه يستنبط كل تعزير من جسم حده ولا يجاوزه‏.‏ وهو مقتضى قول الأوزاعي‏:‏ لا يبلغ به الحد ولم يفصل‏.‏ وقال الباقون‏:‏ هو إلى رأي الإمام بالغاً ما بلغ وهو اختبار أبي ثور‏.‏ وعن عمر أنه كتب إلى أبي موسى لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين‏.‏ وعن عثمان ثلاثين، وعن عمر أنه بلغ بالسوط مائة، وكذا عن ابن مسعود‏.‏ وعن مالك وأبي ثور وعطاء لا يعزر إلاّ من تكرر منه، ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها فلا يعزر وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين‏:‏ وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف لا يزاد على خمس وتسعين جلدة وفي رواية عن مالك وأبي يوسف لا يبلغ ثمانين‏.‏

وأجابوا عن الحديث بأجوبة ذكرها الحافظ مع الكلام عليها‏.‏ وقال الشوكاتي في النيل‏:‏ والحق العمل بما دل عليه الحديث الصحيح المذكور في الباب يعني حديث أبي بردة، وليس لمن خالفه متمسك يصلح للمعارضة‏.‏ وقد نقل القرطبي عن الجمهور أنهم قالوا بما دل عليه حديث الباب، وخالفه النووي فنقل عن الجمهور عدم القول به‏:‏ ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فلا ينبغي لمنصف التعويل على قول أحد عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه لمخاطر‏.‏